المقريزي

12

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

للسجلات والإنشاء ، وديوانا للمستغلّات « 1 » ، وأقام على هذه الدواوين زمانا ، وجعل في داره خزانة للكسوة وخزانة للمال وخزانة للدفاتر وخزانة للأشربة ، وعمل على كلّ خزانة ناظرا ، وكان يجلس عنده في كلّ يوم الأطبّاء لينظروا في حال الغلمان ومن يحتاج منهم إلى علاج أو إعطاء دواء ، ورتّب في داره الكتّاب والأطبّاء يقفون بين يديه ، وجعل فيها العلماء والأدباء والشعراء والفقهاء والمتكلّمين وأرباب الصنائع ، لكلّ طائفة مكان مفرد ، وأجرى على كلّ واحد منهم الأرزاق ، وألّف كتبا في الفقه والقراءات ، ونصب له مجلسا في داره يحضره في كلّ يوم ثلاثاء ، ويحضر إليه الفقهاء والمتكلّمون وأهل الجدل يتناظرون بين يديه . من تأليفه : كتاب في القراءات وكتاب في الأديان - وهو كتاب الفقه واختصره - وكتاب في آداب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وكتاب في علم الأبدان وصلاحها في ألف ورقة ، وكتاب في الفقه ممّا سمعه من الإمام المعزّ لدين اللّه والإمام العزيز « 2 » بالله . وكان يجلس في يوم الجمعة أيضا ويقرأ مصنّفاته على الناس بنفسه ، وفي حضرته القضاة والفقهاء والقرّاء وأصحاب الحديث والنّحاة والشهود ، فإذا فرغ من قراءة ما يقرأ من مصنّفاته قام الشعراء ينشدون مدائحهم فيه . وكان في داره عدّة كتّاب ينسخون القرآن الكريم والفقه والطبّ وكتب الأدب وغيرها من العلوم ، فإذا فرغوا من نسخها قوبلت وضبطت ، وجعل في داره قرّاء وأئمة يصلّون في مسجد داره ، وأقام بداره عدّة مطابخ لنفسه ولجلسائه ولغلمانه وحواشيه ، وكان ينصب مائدة لخاصّته يأكل هو وخواصّه من أهل العلم ووجوه كتّابه وخواصّ غلمانه ومن يستدعيه عليها ، وينصب عدّة موائد لبقيّة الحجّاب والكتّاب والحواشي . وكان إذا جلس يقرأ كتابه في الفقه الذي سمعه من المعزّ والعزيز لا يمنع أحد من مجلسه ، فيجتمع عنده الخاص والعامّ ، ورتّب عند العزيز بالله جماعة لا يخاطبون إلا بالقائد ، وأنشأ عدّة مساجد ومساكن بمصر والقاهرة ، وكان يقيم في شهر رمضان الأطعمة للفقهاء ووجوه الناس وأهل الستر والتعفّف ولجماعة كثيرة من الفقراء ، وكان إذا فرغ الفقهاء والوجوه من الأكل معه يطاف عليهم بالطّيب . ومرض مرّة من علّة أصابت يده ، فقال فيه عبد اللّه بن محمد بن أبي الجرع : يد الوزير هي الدنيا فإن ألمت * رأيت في كلّ شيء ذلك الألما تأمّل الملك وانظر فرط علّته * من أجله واسأل القرطاس والقلما وشاهد البيض في الأغماد حائمة * إلى العدا وكثيرا ما روين دما وأنفس الناس بالشكوى قد اتّصلت * كأنّما أشعرت من أجله سقما هل ينهض المجد إلا أن يؤيّده * ساق يقدّم في إنهاضه قدما لولا العزيز وآراء الوزير معا * تحيّفتنا خطوب تشعب الأمما

--> ( 1 ) ديوان المستغلات : ومهمته النظر في مصالح أهل الذمّة وجباية الأموال منهم . ( 2 ) الخليفتان الفاطميان : المعزّ لدين اللّه الفاطمي ، وابنه العزيز بالله نزار أبو منصور .